الــوبـــــاء

تبدأ أفلام الرعب الأجنبية دائمًا بنفس السيناريو وتقريبًا تمر بنفس الأحداث باختلافات بسيطة سواء كانت أمريكية أو أوربية، مخترع شرير أو شركة أدوية شريرة أو جهة مخابراتية تجري أبحاثًا على أحد الفيروسات، فيتطور الفيرس ويتحول لشيء آخر ويصيب مجموعة من البشر ليتحولوا “لزومبي” أو الموتى الأحياء أو آكلي لحوم بشر أو شيء آخر من هذا القبيل.

وتتطور العدوى لتصيب كل المدينة أو كل العالم حسب رأي ووجهة نظر المخرج، ويتبقى دائمًا مجموعة قليلة تظل تحارب الموتى الأحياء والمتحولون، وبعضهم يحاول إنتاج مصل أو علاج وبعضهم يتم قتله وبعضهم يتحول ويلجأ زملاؤه لقتله حتى لا يقتل أو يأكل شخصًا آخر سليم، وينتهي الفيلم إما نهاية مفتوحة أو يتحول جميع سكان الأرض ويبقى البطل وصديقته، أو بقاء البطل فقط أو صديقته فقط أو موت الجميع وتحولهم لمسوخ.

يتحول الشخص لمسخ عندما يصيبه الفيروس عن طريق الحقن أو الاستنشاق أو عندما يتعرض للعض من مسخ آخر وعندما تظهر عليه أعراض التحول لمسخ يجب عزله حتى لا يعدي شخصًا آخر وهكذا، دائما نهاية حزينة أو مثيرة للجدل لتلك النوعية من الأفلام.

في مصر عندنا وضع أكثر مأساوية، الفيروس انتشر أيضًا وأصاب الكثيرين، وأصبح البعض يتحولون لمسوخ، فيروس “التعريض”، فيبدأ المصاب بالتعريض إلى أن يتحول لمسخ مثل الموتى الأحياء.

فيروس التعريض ليس جديدًا في مصر، ولكن بعد 30 يونيو انتشر بشكل مذهل أصاب العالم كله بالحيرة، فعندما يصاب الشخص بهذا الفيروس يبدأ مباشرة في التعريض إلى أن يتحول لمسخ ويبدأ بعدها في نشر العدوى للآخرين.

ومن أعراض هذا المرض الوبائي أن تجد الصحفي الذي كان قبل 25 يناير يكتب بشجاعة عن الفساد وقمع الجهاز الأمني وشبكة رجال الأعمال التي سرقت مصر ونهبتها، وينتقد أمن الدولة والقتل والتعذيب.

تحول إلى شخص يدافع عن علاء وجمال مبارك ويطالب بالإفراج عن أحمد عز، ويثمن جهود الداخلية في القمع والقتل والتعذيب، ثم يبدأ في السخرية أو تخوين كل من يحاول الحديث عن حقوق الإنسان ودولة القانون عندما يصيبه فيرس التعريض، ويبدأ في التدرج للتحول لمسخ دون أن يشعر، فيبدأ في التطبيل للحاكم المستبد والبحث عن أي مميزات حتى ولو وهمية.

قد أصاب الفيروس أيضا مجموعة أخرى انضموا لمجموعة من المرضى وأتموا جميعهم 50 فردًا، أصابهم جميعًا وباء التعريض ولكن بدرجات متفاوته، فمنهم المسخ الذي يعرض لأي حاكم من قديم الأزل، ومنهم بدأ على كبر، ومنهم من أصيب حديثا، ولكن الخمسين ينافقون الحاكم العسكري بدرجات، طمعًا في سلطة أو خوفًا من بطش، أو تعريض وخلاص.

فالخمسين مصابون بهذا الوباء أقاموا الدنيا ولم يقعدوها على دستور سيئ يعطي صلاحيات أكبر لرئيس الجمهورية ويسمح بالمحاكمات العسكرية للمدنيين ويقلل من فرص حساب رئيس الجمهورية، فإذا بهم بعد أن أصابهم الفيروس يكتبون دستورًا يرسخ لدولة رئاسية أكثر ولا توجد فرصة لمحاسبة الحاكم، ويعطي العسكر صلاحيات وسلطات أكثر من الدستور المعطل ويعطي وضع خاص لدولة العسكر، أصل العسكر صاحب الفرح ولازم نسمع الكلام.

وتجد للأسف من كان قبل 25 يناير يدافع عن استقلال الجامعة وضرورة خروج الحرس الجامعي الذي كان يتحكم في كل شيء ويتحكم في المحاضرات والتعيينات والترقيات، ويناضل من أجل أن تكون مناصب هيئات التدريس بالانتخاب إذ به بعد 30 يونيو وبعد أن أصابه الفيروس، أصبح من أشد المدافعين عن الحرس الجامعي داخل الجامعة بل يدافع عن الداخلية التي قتلت طالب الهندسة ويقولك خرطوش الداخلية بيلسوع بس، ويؤيد قانون التظاهر القمعي، وهو في طريقه بالفعل للتحول لمسخ.. الكرسي بيغير.

وهناك من كان يتحدث عن حقوق الإنسان قبل 25 يناير ولكن بعد إصابته بالوباء أصبح لا يعتبر من له رأي إنسانًا، فكل من لديه اعتراضات أو ملاحظات أو حتى نصائح بسيطة على أداء الحاكم المستبد، فهو ليس إنسان وليس له أي حقوق بعد 30 يونيو، هو خائن وعميل وطابور خامس وخلايا نائمة، ولذلك تم تجميع كل الحقوقيين المصابيين بذلك المرض في مجلس قومي وأطلق عليه المجلس القومي لحقوق المعرضين أو المصابين، فمن تظهر عليه الأعراض وبدأ في النفاق والموالسة وتقبيل أيدي وبيادة الحاكم فهذا فقط الذي له حقوق، أما الآخرون فمصيرهم السجن أو القتل.

أسوأ أنواع المرضى هم من كانوا شبابًا يتحدثون عن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ومن تشدقوا يومًا بمصطلح النضال والثورة ولكن عندما أصابهم الوباء اللعين أصبح كل همهم هو البحث عن المنصب ورضاء الحاكم، والصمت عن أي انتهاكات تحدث ضد زملاء الماضي، بل أصبح بعضهم يتبرع بالكذب والموالسة حتى ولم يطلب الحاكم منه ذلك، زميلهم في السجن أو مات.. لا يهم المكان الجديد في النظام الجديد هو الأهم من أي مبادئ أو ثورة.

تنتشر العدوى كل يوم في كل القنوات والصحف والأحزاب والحركات وأعراض المرض خطيرة، النفاق والموالسة والتعريض المزمن، والكذب والتدليس واتهام المختلفين في الرأي بالعمالة والخيانة والطابور الخامس والانضمام للإخوان، الدفاع عن القتل العشوائي والتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، غض الطرف عن عودة نظام مبارك ورجال مبارك وسياسة مبارك وعودة أمن الدولة والتعذيب.

للأسف الشديد فرص عودة المسخ لإنسان طبيعي قد تكون معدومة، ولكن لوحظ شفاء بعض المصابين في الفترة الأخيرة بعد الاعتقالات وتلفيق التهم والتعذيب للمعترضين على قانون التظاهر، ولكن رغم سوء الحال وظلام المشهد سيأتي وقت يستيقظ فيه الجميع وأتمنى أن يكون قبل الكارثة التي ستأتي لا محالة أن استمر هذا الوضع.

أحمد ماهر
سجن ليمان طره
17-12-2013

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s