ابنتي العزيزة وإبني العزيز

هذه الرسالة ستقرؤنها عندما تستطيعان القراءة والكتابة، لا أعلم وقتها أين سأكون ربما أكون معكم وربما في السجن، الله أعلم، وربما أكون قد انتقلت إلى رحمة الله.

ولكن الأكيد أنه سوف يكون هناك حاجة إلى تلك الرسالة، فالعمر يجري والأحداث تتسارع وأنتما تكبران وبدء وعيكما في التفتح وأصبحتما تلاحظان وتفهمان ما يجري حولكما. وعندما تكبران وسواء إن كنت معكما أو في السجن أو فارقتكما فسوف تسمعان أشياء كثيرة عني وسوف تكتشفان أن ما يقال عني وعنكما ليس له أي ساس من الصحة وليس لع علاقة بالواقع.

سوف تسمعان كلام كثير وقصص مثيرة وروايات محكمة عن أن أبيكم خاين وعميل ويتلقى ملايين الدولارات كل شهر من الخارج وعنده ثروة ضخمة قادمة من الخارج. وربما تسمعان من زملائكما في المدرسة كلام و إهانات من هذا القبيل من بعض التلاميذ أو بعض المدرسين، أبوكم عميل وبياخد تمويل .. أبوكم في السجن. أعلم يا ميرال أن هناك بعض من يضايقك في المدرسة بهذه الكلمات من الىن وهذا يتضح من أسئلتك الكثيرة عند الزيارة في السجن .. بابا هو انت قاعد هنا ليه؟ بابا هو أنت لابس كده ليه؟ بابا هو أنت ليه مش بتروح معانا؟
لا أعلم يا أبنائي لماذا أنا هنا في السجن .. كل ما فعلته اني اعترضت على قانون التظاهر الجديد وبعدها لفقوا لي تهم لم تحدث وأتو بشهود زور وافتعلوا اشتباكات مدبرة خارج المحكمة وليحكم القاضي بعدها في غاية السرعة بأن أسجن 3 أعوام.
لم أسرق ولم أقتل ولم أنهب البلد كما فعل مبارك وأعوانه، لم أقتل متظاهرين ولم أكن ضابط شرطة يعذب الناس ولم أكن رجل أعمال يسرق أراضي الدولة ولم أبيع ضميري يوماً ما.

ستسمعان في الإعلام يومياً أن أبيكم خائن وعميل وبياخد تمويل، وسوف تدرسان في التاريخ أن أباكم كان له دور رئيسي في نكسة 25 يناير .. هكذا يطلقون عليها الآن. سيصيبكم الغضب والاندهاش .. فأنتما تعيشان في شقة 70 متر في إسكان الشباب وتدرسان في مدرسة عادية وليس لديكم سيارة أو كان لديكما سيارة بالتقسيط في يوم من الأيام وتم فقدانها في حادثة، ستجدان أن عائلاتكم هي عائلات بسيطة تنتمي للطبقة المتوسطة، ليس لنا أملاك أو أرصده في البنوك، فكيف يقولون أنكم تعيشون في تمويل أجنبي؟ تعلمت من جدكم “ماهر” العديد من القيم التي حافظت عليها ويجب أيضا أن تحافظا عليها. فأبي علمني أن أقول الحق مهما حدث، وألا أمشي مع الموجه، وألا انافق احداً سواء مدير أو رئيس جمهورية، وألا أتزلف لأحد وأنافق طالباُ لسلطة أو منصب أو جاه، وألا أمد يدي لأحد أو أطلب شيئاً ليس من حقي، وأن أتحمل مصاعب الحياة بصبر ولا أسأل غير الله. هكذا جدكم ماهر .. وجدكم ابراهيم لأمكم وكذلك جدتيكما. موظفين بسطاء يرفضون الفساد ويحاربونه ويرفضون النفاق ويتمسكون بالقيم والأخلاق. ولذلك رفضت أنا العديد والعديد من المناصب السياسية التي عرضت علي كثيراً، ففي عهد مبارك رفضت عرض أمن الدولة والحزب الوطني بأن أحول حركة 6 إبريل لحزب مدجن كرتوني مثل باقي الأحزاب .. يسمع الكلام ويلعب داخل القواعد المرسومة في مقابل أن اكون أصغر رئيس حزب لأول حزب شبابي، معارض مقرب من السلطة وأظهر في الاعلام الرسمي كل يوم. وفي عهد المجلس العسكري رفضت رشوة أن اكون عضو معين في مجلس الشعب 2011 لكي أصمت وأكف عن انتقاد العسكر الذين أداروا المرحلة الانتقالية بمنتهى الغباء حتى أصبح ما نحن فيه الآن. رفضت مناصب كمساعد رئيس الجمهورية أو عضو مجلس الشورى في عهد مرسي .. فقد كان واضحاً أن مرسي يسير نحو الهاوية، ويرفض الاستماع لأي نصيحة ولا يستشير إلا مكتب الإرشاد، وينقلب على كل وعوده بالاصلاح.

رفضت أن أصمت على انتهاكات حقوق الانسان وعودة القمع ونظام مبارك بعد 3 يوليو ورفضت أن أكون قريباً من السلطة ونظامها والتغاضي عن أخطائها وأن يتم تعييني في أحد المجالس القومية أو اكون نائب أو مستشار لأحد الوزراء، فنظام ما بعد 3 يوليو هو نظام دموي عسكري مستبد يستخدم كل الوسائل القذرة من أجل عودة نظام مبارك القمعي والمستبد والفاسد.

رفضت رشاوي وعروض من كل أنظمة الحكم وكان هذا سبباً في حملات التشويه التي تسمعونها وكذلك لم أهتم بعملي كمهندس مدني وأعطيت كل وقتي ومجهودي ومالي للسياسة ولذلك يمكنكم أن تلاحظا أن باقي زملاء الدراسة والعمل حالتهم الاقتصادية أفضل بكثير – بارك الله لهم – سواء منهم من سافر للعمل في الخليج أو حتى استقر في عمله كمهندس في مصر، ربما كان هذا هو خطئي في حقكما أني لم أهتم بعملي كمهندس الذي يدر دخلاً جيداً إن كنت ركزت فيه، لم أهتم بجمع الأموال وأهتممت أكثر بالعمل السياسي وقضية الاصلاح، ولكني أعتبرت أن هذا هو الاستثمار الحقيقي. فأن أساعد في القيام بثورة وبناء نظام سياسي جديد وعادل لكما ولجيلكما هوأفضل بكثير من البحث عن الأموال أو العيش في حياة مرهفة. ولكن بعد ما حدث في 3 يوليو لا أظن أنكما ستجدان الدولةالعادلة والمستقرة والتعليم الجيد والحياة المنظمة كما كنت اتمنى. كل ما كنت اتمناه لكما ولجيلكما أن يكون نظام سياسي مستقر وحكم رشيد وشفافية وديمقراطية وإحترام لحقوق الانسان وأن تعيشوا في بيئة نظيفة وشوارع منظمة ودولة تهتم بالتعليم والبحث العلمي والعلوم والتقدم والثقافة والفنون، ويعيش الجميع في عدالة اجتماعية ومساواه ومواطنة، ذلك كان حلمي لجيلكما وهذا هو الحلم الذي جعلني لا أهتم كثيراً بوظيفتي أو بجمع الأموال كما فعل معظم زملائي و أصدقائي، ربما يعيشون حياة افضل داخل مصر أو خارجها ولكني كنت اتمنى أن يعيش كل جيلكما في ذلك داخل مصر. كان جيلنا هو الوقود وهو الثورة أملاً في غد أفضل لجيلكم ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد تم الانقضاض على ثورتنا وتم تشويهنا وحبسنا واغتيالنا معنوياً والانتقام منا والتنكيل بنا بأحط الوسائل. ها انتما تعانيان من تشويهي وتشويه كل ما قمت به، وكل جيلكما يعاني من الاستبداد والفساد والفشل. بالتأكيد تتعجبان في وقتكما عن ماذا حدث للشعب المصري، لماذا أصبح الجميع يكره بعضاً، لماذا أصبح العنف والقتل هو لغة الحوار بين الناس، وأين ماسمعتاه أو قرأتماه عن سماحة الشعب المصري. للأسف الشديد تغير كل شئ بعد 3 يوليو وبعد استغلال العسكر وأمن الدولة وفلول مبارك للاعلام واستخدامهم لكل امكانيات الدولة من اجل قتل كل من يختلف معهم، نشر العسكر وفلول مبارك الكراهية في الاعلام وحرضوا على كل من عارضهم ومن نجا من القتل او الحبس .. طاله التشويه في سمعته وتم اتهامه بالخيانة و العمالة. في عهدنا أصبح الانتقام هو السائد، واصبح الاقصاء هو افعل الوحيد، والتخوين هو مسلك النقاش والاختلاف، والتحريض والعنف والعنف المضاد أصبح هو لغة الحوار الوحيدة.. انهار كل شئ، وبدلاً من أن ينعم جيلكم بثمار ثورة 25 يناير أصبح عليكم البدء من جديد بعد القضاء على ثورة 25 يناير وتشويهها وتشويه أو حبس أو قتل كل من شارك فيها أو ساهم في التخطيط لها. للأسف الشديد على جيلكما بدء النضال من جدبد ضد النظام العسكري الدموي الفاسد.

نضال .. هذا اسمك الذي اطلقته عليك في 2011 عندما ولدت اثناء ثورة 25 يناير، ولكن عليك ان يكون اسمك على مسمى وأن تستكمل نضال جيلنا الذي سرقت ثورته من الاخوان تاره ومن العسكر تاره، ثم قضى عليها تحالف الفلول والعسكر تماما في 2013 حتى دمروا الدولة بروح الكراهية والانتقام والعنف والدم.

قادنا العسكر وفلول مبارك وحلفاؤهم من النخبة الفاشلة غلى إحتراب داخلي وتقسيم مصر إلى شعبين ابتداء من 2013، ولا أعفي الاخوان من الخطأ بالطبع فهممن ساعدوا في ذلك بالغرور والعناد والطمع والغباء، وهم من أعطوا للفلول والعسكر كل الفرص عن طريق التمادي في الأخطاء. وها أنتم عليكم البدء من جديد وتحقيق ما فشل فيه جيلنا، ولكن احذروا الفرقة واحذروا العشوائية واحذروا الانفصال عن الناس ومطالبهم وآلامهم، واحذروا عدم التنظيم زإياكم والثقة في عسكر أو فلول أو اخوان … فهم من أضاعوا مصر بصراعهم على السلطة، .. صراع اتى على الأخضر واليابس. لا تصدقوا ما يتم تدريسه لكم في كتب التاريخ أن ثورة 25 يناير هي مؤامرة خارجية .. بل هي كانت اعظم الثورات، وأنقى ما فعله الشعب المصري.

ولكن جميعا أخطأنا، فعاد فلول مبارك والعسكر وزوروا التاريخ.
ثورة 25 يناير باقية بجيلكم ونضالكم.

 

أحمد ماهر
سجن ليمان طره
31-12-2013

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s