فاتسلاف هافيل

 

أجد نفسي دائماً منجذباً لسيرة الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا 1989 وكذلك لسيرة “فاتسلاف هافيل” أحد أهم قادة الثورة المخملية وأول رئيس لتشيكوسلوفاكيا بعد الثورة.

إنجذابي للثورة التشيكية ليس فقط لأنها من أوائل ثورات أوروبا الشرقية التي فتحت الباب لموجات ثورية أخرى في شرق ووسط أوروبا، بل لما حدث بعد ثورة تشيكوسلوفاكيا من غنتصارات وانكسارات وتخبط وصعوبات في المرحلة الإنتقالية التي استمرت لسنوات طويلة، فعودة الفلول الذين تم إسقاطهم للحكم مرة اخرى “بالصندوق” ثم إعادة تنظيم القوى الثورية وخلع الفلول مرة أخرى حتى الوصول للإستقرار وبدءقطف ثمار الثورة من التقدم وارخاء بعد أكثر من 10 سنوات من الشد والجذب في التشيك أو سلوفاكيا.

 

وبالرغم من أن الرئيس الراحل “فاتسلاف هافيل” سياسي نتيجة نشاطة كمعارض قبل الثورة المخملية أو وضعة كأول رئيس للجمهورية بعد الثورة إلا أنه كان كاتب وفيلسوف ومفكر وأديب قبل أن يكون ناشط سياسي وكان له الكثير من الكتابات سواء مقالات أو مسرحيات لدعم فكرة التعايش والسلمية ونبذ العنف ونبذ التطرف، ويحسب له أنه رغم الصعوبات التي لاقاها كرئيس جمهورية في فترة إنتقالية مضطربة إلا أنه نجح في ترسيخ مبادئ الحرية والديمقراطية والتعددية وإحترام حقوق الإنسان ورفض الإقصاء.

 

وفي هذه المقالة مقتطفات من أقوال للرئيس الراحل ” فاتسلاف هافيل” في كتاب التحول الديمقراطي في شرق ووسط أوروبا والذي تشرفت بكتابة مقدمة النسخة العربية في 2011 وكذلك مقتطفات من مقالة نشرت مؤخراً عن الرئيس الراحل فاتسلاف هافيل في جريدة لوموند دبلوماتيك – الأهرام.

 

من أقوال فاتسلاف هافيل ” لقد هزمنا بشكل واضح العدو المحدد المرئي، ولكن الأمر في إندفاعنا بغضبنا وحاجتنا لأن نجد مذنباً حياً جعلنا نبحث عن العدو في كلامنا بحيث أصبح كل فرد فينا يشعر أن الآخر قد تخلى عنه وخدعه”.

 

وهذه العبارة تنطبق على تماماً على حالنا بعد الثورة مباشرة، فقبل 25 يناير 2011 كان العدو واضح كنظام فاسد وقمعي، وبعد 11 فبراير أصبح هناك أعداء كثيرون، سقط مبارك وحدثت ضبابية في الرؤية .. هل العدو هو المجلس العسكري إمتداد مبارك أم الفلول أم اليمين الديني.
والبعض أعتبر صديقه عدو .. والبعض أعتبر شريكه عدو، ومن لم يجد عدواً خلق عدوه ، وهناك من طبق المثل .. “ما عدوك إلا ابن كارك”

 

“إن النظام القديم إنهار ولكن النظام الجديد لم يبن بعد، وتتصف حياتنا بشكل عام بعدم التأكد الكامن في اللاوعي حول أي نوع من النظام”.

 

العبارة السابقة قالها هافيل منذ 20 عاماً عن الفترة الانتقالية في تشيكوسلوفاكيا وبدء الاحتجاجات والاعتراضات على التغيرات الانتقالية بعد الثورة في 1989، وهي أيضاً تنطبق على حالنا في مصر بعد الثورة، فجميعنا قبل الثورة “من أقصى اليمين لأقصى اليسار” أجمعنا ان نظام مبارك لابد أن يسقط .. وجميعنا أثناء الثورة اتفقنا على ضرورة رحيل مبارك ولكن للأسف لم نبذل الجهد الكافي في الاتفاق على شكل النظام المطلوب بعد الثورة ولا شكل الدولة ولا مواد الدستور الرئيسية ولا خارطة الطريق وهذا ما ادى إلى استغلال العسكر هذا الفراغ وقادونا نحو استفاء 19 مارس ثم كل ما حدث من أخطاء حتى 30 يونيو.

 

رغم كل ما يقال من نصائح للحركات الشبابية بضرورة انشاء أحزاب سياسية وممارسة سياسية عن طريق الاحزاب فقط، وهي النصائح أو الانتقادات التي يوجهها محللون سياسيون مصريون أو اجانب .. ولكن هافيل أيضا كان من النافرين من السياسة التقليدية، وكان من المتعففين عن السلطة ومن مؤيدي فكرة أن يكون هناك فرد أو مجموعة يمارسون الضغط السياسي بدون التورط في التواجد في السلطة.

فكان يقول مثلا ” يوماً واحداً في المنصب أسوأ من 100 يوم في السجن”.
” في الوقت الراهن الرئاسة هي الطريقة الوحيدة التي أخدم بها بلادي ولكن قريباً ستكون هناك طريقة أفضل”
” كل نشاطي السياسي الآن يقع تحت الميكروسكوب الذي بنيته بنفسي قبل أن أصبح رئيس “

وكان هافيل يفضل ان تكون لديه حرية النقد والتعليق على الاحداث على ان يكون سياسي أو أن يلعب دور الوسيط بدل من ان يكون طرفاُ في الصراع، وهو ما عرضه أيضاً للكثير من النقد، ولكنه في الأساس مناضل وحقوقي قبل أن يكون رجل دولة ورئيس جمهورية، وقد تعرض للسجن عدة مرات، وكان يقول أيضا..
” رغم كل التعاسة السياسية التي أواجهها كل يوم مازالت عقيدتي العميقة ان جوهر السياسة ليس قذراً .. فالقذارة ياتي بها الرجال الأشرار وليس جوهر السياسة “

واعتبر أن اشهوة للسلطة هي دليل إنحراف، وقال ” السلطة أينما مورست هي في حاجة إلى إشراف ورقابة، وان هذه الرقابة يمكن ان تكون بشكل أفضل من خلال نظام ديمقراطي يتميز بعدم العنف وبالمشاركة في السلطة وترتيباتها ووضع الحدود على نطاق وإمكانية غطرسة المؤسسات الحكومية، فالديمقراطية لا تتحقق بدون رقابة وتذكير دائما”

 

وربما كان التكوين الأساسي لهافيل كحقوقي ومناضل وكاتب ومؤلف بأن يكون من العازفين عن السلطة رغم أن الأقدار وضعته كرئيس للجمهورية بعد ثورة سلمية عظيمة، بل اعتبر أن التطلع للسلطة هي من الصفات الرديئة التي يجب على الإنسان معالجتها.

وربما كانت فترات سجنه قبل الثورة هي الدافع وراء تمسكه بالبعد الأخلاقي في السياسة عندما أصبح رئيساً للجمهورية، وظل مقتنعاً ان الفكر والحرية والكرامة هي ما هزمت الإستبداد.

 

ما أحوجنا أن نتفق جميعاً عما نريد بعد الثورة – قادمة في يوم من الأيام لا محالة – وكيف نتجنب أخطاء الماضي ولا نكررها عند تكرار التجربة، وأن نتفق جميعاً على شكل النظام الجديد الذي يجب أن يجمعنا جميعاً كشركاء في نفس الوطن، وأن يكون هناك بعد أخلاقي في ممارستنا السياسية، وألا يكون الكذب والتخوين هي الوسائل.

بعد 25 يناير كان الطامع في السلطة هو من وعد وأكد أنه لا يرغب فيها فكان 30 يونيو .. وهانحن الآن تحت تأثير أحلام الساعات الأوميجا والرغبة في صناعة فرعون جديد واستخدام أحط أنواع التشويه اللاأخلاقي للخصوم وهو ما سيؤدي إلى ما سيؤدى له .. لا محاله.

 

ولكن ةبل “نوبة الصحيان” التي ربما تكون بعد شهور أو سنوات .. علينا ان نتعلم من اخطائنا وتجارب الآخرين.

 

أحمد ماهر
ليمان طره

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s