من وحي ما بعد الانقلاب

مقتطفات من مذكرات اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر

مر اثنان وستون عاما على حركة ٢٣ يوليو ٥٢، ولا تزال الآراء متباينة حتى الآن، في البداية قالوا إنها انقلاب، ثم حركة مباركة، ثم ثورة خرجت لستة أهداف ومطالب واضحة لم يتحقق منها تقريبا سوى مطلب أو اثنين، ولكن رغم التكفير والهجوم الذي يتعرض له كل من يحاول تحليل ما حدث واستخلاص العبر لتجنب الأخطاء، فإن هناك من يستمر في محاولة ذلك، فأحيانا يمكن التسامح لو تم التشكيك في وجود الله، لكن هناك من لا يتسامح مع انتقاد بعض الانحرافات التي حدثت بعد ٢٣ يوليو، وما يلي ليس كلام أحد من النشطاء، بل جزءا من مذكرات أحد أهم الشهود، مذكرات اللواء محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية..
يقول: بعد أقل من أسبوع على رحيل الملك كنا نسير في طريق تكييف القوانين، الذي انتهى بنا إلى هاوية اللاقانون بعد ذلك، وأنا أعتبر أن هذا الخطأ الصغير بداية مشوار طويل من الأخطاء التى كان المسئول عنها هو الخوف من الضباط.

كان تعيين رشاد مهنا في منصب كبير خارج الجيش فاتحة لتعيين ١٨ من اللواءات وكبار الضباط في وظائف مدنية ودبلوماسية، وتولد داخلي إحساس أننا فتحنا بابا أمام باقي الضباط ليخرجوا منه إلى المناصب المدنية ذات النفوذ القوي والدخل الكبير، وحاولت قدر استطاعتي إغلاق هذا الباب وإبعاد الجيش عن الحياة المدنية وعودته إلى الثكنات وترك البلد للسياسيين، لكن الوقت كان قد فات، فقد اخترق العسكريون كل المجالات، وصبغوا كل المصالح المدنية باللون الكاكي.
وكانت وزارتي هي أول وزارة عسكرية في تاريخ مصر بعد وزارة سامي البارودي وأحمد عرابي في عهد الخديو توفيق، وكان هذا ما يفزعني ويثير قلقي، فقد كنت أخشى أن يكون حكم العسكريين هو نقطة تحول في تاريخ حكم مصر، لا نستطيع بعده أن نعود للحكم المدني الطبيعي، وكنت أخشى أن ينتقل النفوذ العسكري من الوزارة إلى كل شبر في الحياة المدنية.

وجدت على مكتبي أكواما من التقارير المخيفة التي تفرض علينا الخوف من الإضرابات العمالية، وتطالبنا بالضرب على يد كل من يتصور إمكانية قلب العمال علينا، وأحسست أنها تقارير كاذبة، وأنها كتبت بنفس الأسلوب الذي كان يكتب به البوليس السياسي تقاريره إلى الملك، لقد تغير العهد والرجال، ولكن أسلوب هذه التقارير لم يتغير.

ويستكمل نجيب سرده لأحداث وخبايا حركة الضباط (المباركة)، وكيف غدروا به وكيف قاموا بتصفية أو سجن أو إقصاء كل من اعترض على الخروج عن المسار أو لفت النظر إلى التخطيط أو إلى استخدام الضباط لنفس الآليات الفاسدة.

فقال: لقد خلصتهم من فاروق، وخلصهم سليمان حافظ من كبار السياسيين والأحزاب، وخلصهم يوسف صديق من نفسه، وخلصهم ضباط المدفعية من عبدالمنعم أمين، وخلصهم ضباط الفرسان من خالد محيي الدين، وتخلصوا مني، ثم تخلص عبدالناصر من أغلبهم، وبقي هو وعبدالحكيم عامر وأنور السادات وحسين الشافعي، أما هو وعامر فقد تخلص منهما اليهود في ١٩٦٧، ولم يبق من ضباط الثورة سوى أنور السادات الذي كان يعرف بدهاء الفلاحين كيف يتجنب العواصف والأهواء.

إن أول شيء فعله ضباط القيادة بعد أن استقرت الأمور هو أنهم غيروا سياراتهم الچيب، وركبوا سيارات الصالون الفاخرة للتمييز بينهم وبين باقي الضباط الأحرار، وكان لابد حتى يتخلص ضباط القيادة من أصوات المعارضين التي تواجههم أن يلفقوا لهم التهم المناسبة للقضاء عليهم، وتطور أسلوب التلفيق من تحضير شهود الزور، كما في قضية المدفعية، إلى العنف والقسوة في معاملة المعارضين داخل السجون حتى يعترفوا بجريمة لم يرتكبوها، كما حدث مع حسن الدمنهوري، وفي كل الحالات كان الضباط هم الخصم والحكم، وكلما كان أحد المعارضين يسقط أو يضيع أو يختفي خلف الشمس كان ضباط القيادة يزدادون قوة وعنفاً وديكتاتورية، وإذا زادت قوتهم زادت مخالبهم، وإذا زاد عنفهم زادت أنيابهم، وإذا زادت ديكتاتوريتهم زاد انحرافهم، وهكذا إلى أن أصبحوا أباطرة وجلادين.

ولم يتوقف الانحراف عند ضباط القيادة، إنما امتد لباقي الضباط من مساعديهم، ولم يتوقف تدخل الضباط في الحياة المدنية عند مستوى القمة، إنما امتد إلى المستويات الأخرى، فقد سرق بعض الضباط فلوس معونة الشتاء، وسرقوا فلوس التبرعات الخاصة بالشئون الاجتماعية، وسرقوا تحفا ومجوهرات وبعض أثاث القصور الملكية.

وكان عبدالناصر وشلته يسعون علناً للانفراد بالسلطة، كانوا يفعلون كل شيء لفرش الأرض وتمهيدها لذلك، بعد أن تخلصوا من الضباط الأحرار الذين لم يتبعوهم، سعوا للتخلص من الضباط الآخرين، وبعد أن كمموا الأفواه سعوا لتشريد العسكريين.

بعد أن أمر عبدالناصر باعتقال نجيب وقام بالانقلاب عليه وحبسه في فيلا زينب الوكيل أو معتقل المرج كما يطلق عليها الرئيس الراحل محمد نجيب.. يحكي كذلك عن دور الإخوان المسلمين في مساندة عبدالناصر والانقلاب عليه، فيقول: إن الإخوان لم يدركوا حقيقة أولية، وهي أنه إذا ما خرج الجيش من ثكناته فإنه حتماً سيطيح بكل القوى السياسية المدنية ليصبح هو القوة الوحيدة في البلد، وأنه لا يفرق بين وفدي وسعدي، ولا بين إخواني وشيوعي، ولكن لا الإخوان عرفوا هذا الدرس ولا غيرهم استوعبه، ودفع الجميع الثمن، ودفعته مصر أيضاً من حريتها وكرامتها ودماء أبنائها، فالسلطة العسكرية لا تطيق تنظيماً آخر ولا كلمة واحدة ولا نفس ولا حركة ولا تتسع الأرض لها ولأحد غيرها.

والإخوان وقفوا مع عبدالناصر وساندوه بعد أن اعتقدوا خطأ أنهم سيصبحون حزب الثورة، وأنهم سيضحكون على عبدالناصر ويطوونه تحتهم، فإذا بعبدالناصر يستغلهم في ضربي، في ضرب الديموقراطية وفي تحقيق شعبية له.

وعن معاناته بعد الانقلاب عليه والغدر به يحكي الرئيس الراحل محمد نجيب قائلا: صادروا أشياء لا يملكونها في بيت لا شأن لهم به، صادروا أوراقي وكتبي وتحفي وتذكاراتي ونياشيني وقلاداتي وسيوفي ونقودي، وكل شيء يخصني وكان في بيتي، وكل ما سمحوا به زوجتي وأولادي وثلاث حقائب والشغالة.. يا سبحان الله، ماذا فعلت ليفعلوا بي كل هذا!! إنني يوم ودعت الملك الذي انتهك الحرمات وأحل الفساد وجلب الخراب لم أفعل ذلك.. على العكس، كنت حريصاً على أن يكون وداعه وداعاً رسميا مشمولا ًبكل مظاهر التكريم.. سمحت له أن يأخد أشياءه الخاصة والشخصية، وتركت السفراء والوزراء والحاشية يودعونه، وأمرت أن تطلق المدفعية ٢١ طلقة، وأن تعزف الموسيقى.. حافظت على الأصول والتقاليد.. لكن لم يحافظ عبدالناصر لا على الأصول ولا على التقالي، أنا الذي فعلت كل هذا من أجله ومن أجل مصر ومن أجل الثورة، تعاملوا معي كأني لص أو مجرم أو شرير، لم يتصل بي عبدالناصر، لم يقل لي كلمة واحد،ة ولم يشرحوا لي ما حدث، لم يحترموا سني ولا رتبتي ولا دوري، وألقوا بي في النهاية في أيد لا ترحم وقلوب لا تحس، وبشر تتعفف الحيوانات عن الانتساب لهم.

ما أقسى المقارنة بيني وبين فاروق، ودعناه بالاحترام وودعوني بالإهانة، ودعناه بالسلام الملكي والموسيقى وودعوني بالصمت والاعتقال، ودعناه بالمصافحة وودعوني بإعطاء ظهورهم لي.

لقد قلبت الثورة كل معايير التعامل مع البشر الذين قاموا بها، طحنتهم، والذين نافقوها رفعتهم.

وذاق الذين ساندوا الديكتاتورية من نفس الشراب الذي سقوه للآخرين، ساندوا الخطأ ودافعوا عنه وبرروه، وعندما انتهى دورهم أطيح بهم.. مثلي.. وعليهم أن يخرجوا ليقولوا بصدق ما عاشوا.

وعن فلسطين قال: كانت إسرائيل وقتها مستعدة أن تعيش كدولة صغيرة وسط جيران كبار، لكننا لم نكن مستعدين لذلك، وأيضاً لم نكن نسعى جدياً لتحرير فلسطين، فقد كان شعار تحرير فلسطين وإزالة إسرائيل شعارا رفعته الحكومات العربية للاستهلاك المحلي، ولاستمرار طرح قضية وطنية تلهي الناس عن الديموقراطية أو القضايا الاجتماعية، ولو كان هذا الشعار حقيقيا ما تحول إلى هزائم وكوارث واحتلال وقوة إضافية لإسرائيل.

العبارات السابقة ليست من كتابات أحد شباب ثورة ٢٥ يناير، ولا من أفكار النشطاء المدافعين عن حقوق الإنسان، بل هي كتابات أحد أهم قيادات الضباط الأحرار، وأول رئيس جمهورية لمصر، وأول من تحمل مسئولية انقلاب / حركة / ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢.

فمن قراءة التاريخ ومحاولة قراءة الواقع الحالي يتضح أن التاريخ يعيد نفسه، فالمواقف والأحداث تتكرر مع اختلاف الأبطال والوسائل، ولذلك قبل أن يختار أحدهم الانضمام لمعسكر ما فلابد أن يعيد قراءة التاريخ ليستوضح مكانه ومكانته التي سيكون عليها بعد أن يؤدي دوره المرسوم، الذي اختاره وارتضاه لنفسه.

مصلحة مصر أم مصلحة السيسي ونظامه؟

رحلة البحث عن الرضا الأمريكي

«مصلحة مصر» .. عبارة نسمعها كثيرًا هذه الأيام من أبواق السلطة والمقربين منها عند الحديث عن قصف غزة؛ صحفيين كانوا أو سياسيين أو نشطاء موالين للسلطة يخلطون متعمدين بين مصلحة مصر ومصلحة السيسي ونظامه في هذه الأزمة.

لا جديد في الخلط بين مصر ومن يتولى سلطتها؛ كذلك دافع أنصار مبارك قديمًا عن ولائه لأمريكا وإسرائيل واشتراكه في حماية أمن إسرائيل ومساهمته في حصار الشعب الفلسطيني، فكل الكتابات الأمريكية والإسرائيلية التي تتباكى على مبارك الآن تطلق عليه لقب “الكنز الاستراتيجي”.

ولا عجب أن يسلك السيسي نفس مسلك مبارك بالمسطرة؛ فالسيسي أحد أبناء مبارك ومدير مخابراته الحربية، كما أن السيسي لم يحارب إسرائيل من قبل ولا يعتبرها عدوًا، فهو من جيل عسكر كامب ديفيد الذين يقومون على خدمة وحماية إسرائيل؛ ولذلك لا عجب أن تجد اللوبي الصهيوني في أمريكا يدافع عن السيسي ويطالب الإدارة الأمريكية باستئناف المسارات وتوقف الحديث عن حقوق الإنسان، فالسيسي كنز استراتيجي جديد ومصلحته هي مصلحة إسرائيل.

الجديد والمضحك المبكي في هذه الأزمة أن تجد نسبة كبيرة من متخذي موقف السيسي المتخاذل هم من الناصريين والقوميين الذين ساندوا السيسي ويدعمونه باعتباره الصنم الناصري الجديد الذي سيعيد أمجاد الستينات والقومية و”مسافة السكة”.

الكثير من الناصريين الآن يبررون قصف غزة ويتهمون حماس ببدء الأزمة وبعضهم يكرر نغمة 2014 .. “أحسن علشان لازم حماس تتربى” وكأن فلسطين هي غزة فقط وكأن غزة هي حماس فقط !!

قبل الثورة كان بعض الناصريين يزايدون على الجميع بالقضية الفلسطينية؛ فقد كانوا يدعون أن لها الأولوية عندهم، وكنا نعتقد أن القضية الفلسطينية هي سبب معارضتهم لمبارك فقط قبل العدالة الاجتماعية، ولكن حتى هذا اتضح أنه وهم، فهاهم يدعمون ويساندون صنما جديدا ينسّق مع الصهاينة لقتل الفلسطينيين، صنما جديدا يميل للنيوليبراليزم أو الليبرالية الحديثة وليس العدالة الاجتماعية. أما الحديث عن فترة القومية والعدالة الاجتماعية في الستينات ليس إلا “عدة الشغل” لتسويق الديكتاتور الصنم الجديد؛ فالهدف عند البعض- كما ذكرت- هو صناعة ديكتاتور جديد والتسبيح بحمده، فلا استقلال وطن ولا عدالة اجتماعية ولا دعم للمقاومة ولا حرية وديموقراطية بالطبع في عهد السيسي.

والحجة الآن هي تأديب حماس التي قتلت المتظاهرين في موقعة الجمل واقتحمت السجون وأقسام الشرطة وقتلت الجنود في سيناء و و و و .

من الطبيعي أن تجد أنصار مبارك أو أتباع الجهات الأمنية يكررون الكلام الفارغ والأساطير عن مؤامرة 25 يناير، أو يتحدثون بمنتهى الثقة عن أسطورة الجيل الرابع من الحروب وحماس وحزب الله ونشر الفوضى واقتحام السجون ولكن الجديد أيضًا في عهد السيسي أن البعض يكرر روايات الأجهزة الأمنية وروايات فلول مبارك رغم أنهم شاركوا في الثورة ويعلمون أن كل ما يقال هو كذب صنعته أجهزة أمنية فاسدة عاشت في عهد مبارك تحمي الفساد وتدافع عنه.
قديماً كان يسهل تزوير التاريخ؛ لأن السلطة كانت تملك أدوات الإعلام وتقمع كل من يروي رواية مخالفة، ورغم ذلك ظهرت روايات أخرى لأحداث كثيرة في تاريخ البشرية، فمثلاً رغم المجهود الضخم الذي قام به الخديوي توفيق ومن جاء بعده لتشويه عرابي والثورة العرابية ووصمهم بالخيانة والتسبب في دخول الإنجليز لمصر إلا أن الحقيقة ظهرت بعد عشرات السنين وعرف الناس أن عرابي لم يكن خائنا وأنه ربما أخطأ أو جانبه التوفيق في بعض القرارات ولكنه لم يكن خائنا.

والآن يحاولون تزوير التاريخ ونحن أحياء، فيشيعون أن ثورة 25 يناير كانت مؤامرة ولم تكن ثورة شعبية مفاجئة نتجت عن عقود من الفساد والاستبداد والقمع والقهر، أشاعوا أن حماس هي من قتلت المتظاهرين في التحرير لتبرئة الداخلية التي أصبحت الآن شريكا رئيسيا في نظام حكم السيسي ! روّجوا أن حماس هي من اقتحمت الأقسام والسجون متجاهلين الغضب الشعبي غير المنظم الذي سيطر في 28 يناير، نعم كان هناك أهالٍ لبعض المتهمين المسجونين، نعم كانت هناك عصابات مخدرات ساهمت بشكل أو بآخر في اقتحام السجون محاولة منهم لاستغلال الفوضى، ولكن لا يمكن اختزال كل ما حدث في حماس وحزب الله لنجد بعد ذلك مبررا للتخاذل مع القضية الفلسطينية ولتبرير قتل الثورة من قبلها.

مصلحة مصر .. مصلحة السيسي الذي يريد تسويق نفسه أنه الكنز الاستراتيجي كما فعل مبارك لثلاثين عاماً، مصلحة السيسي تتقاطع الآن مع مصلحة إسرائيل والمعادلة بسيطة، تعاون مع إسرائيل وساعد في حماية أمنها وساهم في كسر حماس وقتل وحصار الفلسطينيين لتحصل على الأباتشي وتتدفق عليك المساعدات العسكرية وتحصل على اعتراف أمريكي ويتم تجاهل سجلك الدموي في حقوق الإنسان وعندها تتوقف الضغوط عليك بسبب حبس وقمع الجميع.

ليس دفاعا عن حماس ولكن ما يحدث ويقال في الإعلام المصري هو تزوير متعمد للوعي وللتاريخ، فالأجهزة الأمنية التي تحكم مصر وتتحكم في الخطاب الإعلامي تعلم جيداً الفارق بين حماس وأنصار بيت المقدس وتعلم جيداً الصراع الدموي الذي حدث بين حماس والسلفية الجهادية في غزة قبل ثورة 25 يناير بسنوات مما أدى لاستيطان بعض المجموعات الجهادية في سيناء منذ 2009 وقد أعلنوا عن ذلك.

فجماعة أنصار بيت المقدس تعيش وتعبث في سيناء من عهد مبارك وعمر سليمان، ليس دفاعا عن حماس كما سبق وأوضحت.. ولكن إلصاق كل التهم بحماس ونشر القصص الخيالية عن قتلهم الثوار ومهاجمتهم الأقسام والسجون أثناء الثورة أو قيامهم بأعمال إرهابية في سيناء فذلك هو عين التزوير والتدليس والكذب وذلك هو عين خيانة القضية وتبرير التخاذل، وكذلك تبرئة لضباط الداخلية الذين قاموا بقتل المتظاهرين، خصوصاً أن كل تلك الأساطير بدون دليل عملي واحد فهي نفس الأساطير التي كان يروجها نظام مبارك وامتداه الحالي لتشويه الثورة.

ومنذ متى ومصلحة مصر تتقاطع مع مصلحة إسرائيل لما يحدث الآن؟ وهل البحث عن الاعتراف الدولي والرضا الأمريكي عن نظام السيسي يبرر هذا التخاذل والحصار لغزة؟

أما آن لمصر أن تخرج من الدور الذي بدأه مبارك ويستكمله السيسي الآن بتقليص دورها العربي وجعلها مجرد حامٍ لحدود وأمن اسرائيل؟ وهل تبرر الخلافات السياسية بين العسكر والإخوان/ حماس أن تكون مصر مشاركا رئيسيا في حصار غزة وزيادة معاناة الشعب الفلسطيني؟

الفصل الثالث من كتاب التاريخ عام 2044

للصف الثاني الإعدادي

أولا- نكبة25 يناير :

فى 25 يناير 2011 استطاعت مجموعة من الشباب الخائن والعميل تنظيم تظاهرات فوضوية عمت أنحاء البلاد وذلك بتحريض وخطة مدروسة من أعداء مصر وهي أمريكا وإسرائيل وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وتركيا وإثيوبيا وإيران وقطر وحماس وحزب الله مجتمعين.

وقد أطلق هؤلاء الشباب الخونة على تحركاتهم التخريبية اسم ثورة 25 يناير؛ وقد استغلوا هفوات وأخطاء بسيطة للرئيس الراحل محمد حسني مبارك ليستطيعوا حشد الجماهير بوسائل بدائية كانت مستخدمة في هذا الوقت مثل الإنترنت ومواقع الفيس بوك وتويتر.

وقد استطاع القائد الزعيم المحبوب المبجل عبد الفتاح السيسي القضاء وبسهولة على تلك الفوضى وإبطال جميع المؤامرات الدولية والكونية بعد انتخابه كرئيس للجمهورية في يونيو 2014.

ثانيا – مصير دعاة الفتنة والفوضى:

كان هناك العديد من الأفراد والمجموعات التي شكلت طابورًا خامس في صفوف الجماهيرية المصرية العظمى وقد بدأت جماعه 6 إبريل وجماعة أنصار خالد سعيد شرارة هذه الفتنة في 2011 تبعتهم باقي المجموعات الخائنة والعميلة لأعداء الوطن بعد ذلك، وقد تم البدء بحبسهم تباعا بعد تطبيق قانون حماية مصر من الفوضى (قانون التظاهر)، وقضوا عده سنوات في السجن مثل أحمد ماهر، مؤسس جماعة الفتنة (6 إبريل) ورفيقيه محمد عادل وأحمد دومة، وقد قامت الكتائب الشعبية لحماية النظام (كشحن) التي شكلها الزعيم الملهم عبد الفتاح السيسي في 2016 بتصفية كل الخونة والعملاء بعد خروجهم من السجون مباشرة على أبواب السجون والتمثيل بجثثهم القذرة عدة أيام وهو ما استدعى الزعيم المفدى عبد الفتاح السيسي لإصدار قانون يقضي بعدم جواز التمثيل بجثث العملاء لأكثر من 3 أيام، كما استطاعت شرطة الأفكار بتتبع كل أعضاء تلك الحركات الشبابية في كل المحافظات القرى والنجوع وكذلك المتعاطفين معهم وتم القبض عليهم في الفترة من 2016 حتى 2018 وقامت (كشحن) بتصفيتهم هم وأسرهم أي من الجيران المشتبه بهم، أما بالنسبة للكتاب والصحفيين والمدونين ونشطاء تويتر والفيس بوك فكان من حق شرطة الأفكار دفنهم أحياء في الجير الحي.

ثالثا – أبرز صفات العملاء والخونة:

كان العملاء والخونة يتميزون بصفات لا تخطئها عين، فوجوههم كانت قبيحة دميمة، وشعرهم دائمًا منكوش، وملابسهم غريبة، وكذلك كانت لغتهم ولكنتهم غريبة ودخيلة على لغة الجماهيرية المصرية العظمى وكانوا يروجون للقيم المخربة والدخيلة على ثقافتنا مثل الحرية والديمقراطية والعدالة والكرامة واحترام الآخر واحترام الاختلاف واحترام حقوق الإنسان.

رابعا – أنواع أجهزة الحماية:

لا يتذكر أحد تحديد متى تم تحويل جهاز الأمن الوطني إلى شرطة الأفكار المستقلة لكن يرجح أنه في عام 2016، كما تم تشكيل الكتائب الشعبية لحماية النظام (كشحن) لتنفيذ أي عقوبات فورية على كل من يخالف الثوابت والقيم والأخلاق وكذلك تتبع كل من ظهر عليه أعراض الانضمام للطابور الخامس وقد تم تشكيل فرق الجواسيس (فج) التي كانت دورها ملاحظة كل من لا يبدو عليه الحماس أو يظهر عليه عدم الاهتمام  أثناء سماع خطاب الزعيم الخالد المفدى عبد الفتاح السيسي.

وقد أمر المشير الزعيم العظيم الملهم خالد الذكر  عبد الفتاح السيسي في 2025 بضم اللجان نشاط لكراهية الخونة (لنكخ) إلى وزارة الثقافة والإعلام التي أطلق عليها بعد ذلك وزارة الحفاظ على الهوية والأخلاق، وكان نشاط لجان نشاط كراهية الخونة (لنكخ) تنظم يوميًا عدة أنشطة لإظهار الكراهية لكل العملاء والخونة المخربين معارضي الزعيم الملهم خالد الذكر المشير عبد الفتاح السيسي كان يتم عرض الصور القبيحة للخونة العملاء أمثال أحمد ماهر ووائل غنيم وأسماء محفوظ ومحمد البرادعي وغيرهم وذلك باستخدام شاشات كبرى في الميادين العامة ليقوم المواطنون بالبصق عليهم كنشاط يومي، لكن أمر الزعيم بإلغاء ذلك النشاط في 30 يونيو 2038 بعد ملاحظة أن حماس المواطنين وإلقائهم بالأحذية على الشاشات الضخمة يؤدي إلى تدمير هذه الشاشات وزيادة التكاليف الباهظة لصيانة تلك الشاشات مما يؤدي لزيادة الأعباء على المواطنين، بالإضافة لأن قبح صور ملامح الخونة كانت تتسبب في إصابة الأطفال بحالات رعب مزمنة، وقد أمر الزعيم بإلغاء صورهم من ذاكرة المواطنين بعد ذلك.

  1. اذكر الفرق بين (كشحن) و(لنكخ) و(فج)؟
  2. متى تم إلغاء وزارة الثقافة وضمها للإعلام؟
  3.  متى تم إلغاء الوزارتين وإنشاء وزارة الحفاظ على الهوية والأخلاق؟
  4.  أذكر الكوارث التي كان من الممكن أن تدمر الجماهيرية المصرية العظمى إن كان تأخر إنشاء شرطة الأفكار؟
  5. أذكر مساوئ القيم الدخيلة على المجتمع مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية والعدالة و الكرامة؟
  6. صف بعبارات موجزة مدى قبح ملامح الخونة ودعاة الفتنة؟
  7. أذكر مظاهر سعادة المواطنين أثناء قتل وسحل شباب نكبة 25 يناير في 2016 وكذلك مدى الراحة النفسية التي كان يشعر بها المواطنون بعد نشاط كراهية الخونة اليومي؟

لماذا أكتب

لماذا أكتب كثيرًا من داخل السجن؟ سؤال سأله البعض لي سواء أصدقاء أو حراس السجن وبصراحة هذا السؤال ينقسم إلى قسمين، لماذا تكتب من السجن ولماذا تكتب كثيرًا؟

لماذا أكتب؟ وماذا أفعل في السجن؟ ومع من أتكلم ومعظم الوقت حبسي انفرادي؟ واريد أن أكتب، أكتب لأنني لابد أن أتكلم مع شخص ما.. ولو حتى سيقرأ كلامي أشخاص كثيرون بعد عدة أيام من الكتابة وفي السجون أول ما يبحث عنه المسجون السياسي هو الورقه والقلم، أتذكر أني كتبت كثيرًا في حبسة نادي القضاة 2006 وتم نشر بعضها بالفعل سواء في مدونتي أو في بعض الصحف، لكن معظم ما كتبته لم ينشر بعد، وللأسف لا أذكر مكانه الآن، وهل لا يزال موجودًا، أم تخلصت منه والدتي في إحدى حملات التنظيف والترتيب المفاجئة لحجرتي الفوضوية قبل الزواج.

كان الورقة والقلم متاحًا في 2006 ومن المفترض حتى الآن، لكن النشر غير مسموح به في حالتي وبذلك يكون السؤال الأهم.. طب إزاي بيتنشر ليك حاجات؟ سؤال مهم أتحفظ في اﻹجابة عنه، فرغم أن الدستور والقانون يتيحان للمسجون بنشر آرائه إلا أن إدارة السجون ترفض وتمنع ولكي تنشر مقالاً من داخل السجن (لازم تعمل قرد).. يكفي أن تعلم أن ما يتم خروجه ونشره أقل من 10% مما تم كتابته، وأن أكثر من 90% يعتبر هالك ويتم مصادرته من قبل إدارة السجن.

لماذا تكتب كثيرًا؟ سؤال لطيف.. أولا لأن نسبة الهالك أو ما يتم مصادرته كبيرة، ثانيًا لأن الأخبار تصلنا بعد حدوثها بأيام، وكذلك طبقا لما يتم السماح به في الصحف الورقية وهي التي توجد عليها رقابة أشد من الصحف الإلكترونية واﻹنترنت، فطبيعي أني أجد نفسي كتبت أكثر من اللازم، فأنا لا أعرف كل الظروف المحيطة بالحدث وليس عندي التحديثات وكذلك تخرج كتاباتي بعد أيام من وقوع الحدث.

المشكلة الأكبر التي تقابلني ليست لماذا أكتب أو لماذا أكتب كثيرًا، السؤال الأهم هل هناك من قرأ وهل إن كان هناك من يقرأ.. هل هناك من يتغير فكره أو يتأثر بما قرأه؟

فأنا أيضًا لا أعلم مدى اتساق أسلوبي في الكتابة، فأنا لست كاتبًا رغم أني مدون منذ 2005 و أعتقد أن أسلوبي ليس أسلوب كاتب أدبي، فأنا في الأصل مهندس ولست كاتبًا أو أديبًا أو صحفيًا، لكن أكتب ما أريد أن أقوله، ربما يكون أسلوب كتابتي لطيفًا أو متناسقًا وربما يحتاج لتعديل وتنسيق وتهذيب، كيف لي أن أعلم، ولكني أكتب.

مأساة أكبر من الكتابة داخل السجن، فعندما كنت طالبًا كان عندي مأساة كبيرة في الخط (حسن خطك) كانت الجملة الأكثر شيوعًا التي أسمعها يوميًا طوال فترة الدراسة.

وكثيرًا ما كنت أحصل على درجات أقل من المفترض أن أحصل عليها لأنه بالتأكيد لم يستطع المصحح فك طلاسم إجاباتي، خصوصا في ثانوي، المصحح مش فاضي يقرأ ويقارن اﻹجابة بالنموذج الرسمي للإجابات.

ووجدت بعض الحلول الجزئية للمشكلة في كلية الهندسة، فالدراسة كانت باللغة الانجليزية وأنا أستطيع أن أكتب بخط مقروء إلى حد ما باللغة الانجليزية، وعندما كان دكتور المادة يسمح بالإجابه باللغة العربية أو الانجليزية كنت أفضل الانجليزية، لأن خطي مقروء، وإن كانت معظم المواد أرقام وعملية أكثر منها نظرية.

وبالطبع وفر الكمبيوتر حلاً مثاليًا لمشكلة الخط، فبدل الكتابة بخط غير مقروء، الكيبورد أحسن أسهل وتستطيع الإضافة والتعديل.

في إحدى المرات سألت أحد الضباط، هل يمكن إدخال أي باد أو كمبيوتر للكتابة علشان (خطي وحش) فنظر لي كأني مختل عقليا أو كأني فضائي وتقريبا كان يجز على أسنانه أو يشتم في سره، فتداركت الموقف وأضفت.. دا للكتابة فقط.. مش عايزين شريحة أو نت.. عايز حاجة للكتابة بس، فانفجر في الضحك الهستيري قائلاً: مش تحمد ربنا إن عندك ورقة وقلم غيرك مش لاقيهم، وبعدين أنت عايز تكتب وتنشر وتعمل لنا مشاكل؟

فأجبته قائلاً: أكتب وأنشر؟ حد جاب سيرة كتابة؟ أنا عايز أي باد علشان ألعب جيمز بس قال أكتب وأنشر قال !!! أنا وش ذلك؟؟

إنها السلطة

قبل ثورة 25 يناير كان الإخوان يكسبون التعاطف بسبب تعرضهم للظلم أكثر من أي فصيل معارض وكانوا يشاركون باقي القوى السياسية وحركات التغيير والشباب في مطالب الحرية والديمقراطية والعدل، ولكن بعد أن تولوا السلطة فعلوا عكس ما وعدوا به.. إنها السلطة.

في يوليو 1952 قام الضباط بخلع “فاروق” الفاسد المنحل الغارق في اللذات، لكنهم مع مرور الوقت تحولوا لعدة “فواريق” أكثر فسادًا وانحلالاً وانغماسًا في اللذات من فاروق الأصلي.

وعدوا بـ 6 مطالب على رأسها إقامة حياة ديمقراطية سليمة لم تتحقق إلى اليوم، نعم كانت هناك عدالة اجتماعية بصورة أو بأخرى لكن كان هناك أيضاً استبداد وفساد للطبقة الحاكمة التهم المكتسبات حتى هزيمة 67.. إنها السلطة المطلقة.

لم يلتزم السادات بالحفاظ على مكتسبات يوليو وفي عهده كان الانفتاح السداح مداح وعاد الإقطاع بشكل جديد، حتى ما أطلق عليه ثورة التصحيح كانت أكذوبة كبرى، ففي عهده لم ينته الاستبداد ولم تنته ظاهرة زوار الفجر ولم تقام حياة ديمقراطية سليمة بل كانت ديمقراطية شكلية لها أنياب.. إنها السلطة.

أما مبارك الذي بدأ فترة حكمه بعبارة الكفن مالوش جيوب كان مثالاً سيذكره التاريخ في تزاوج المال مع السلطة والفساد والاستبداد والظلم والقهر والكذب والخداع والتدخل الخارجي.. إنها السلطة المطلقة وغياب الشفافية والمحاسبة.

بالتأكيد مرت الديمقراطيات الغربية بتجارب فاشلة مشابهة منذ عشرات وربما مئات السنين إلى أن استقر الأمر في النهاية وأصبحت الأنظمة الحاكمة هناك ديمقراطيات راسخة وإن لم تكن تخلو من الشوائب لكن على الأقل حالياً هناك ثوابت تعبر عن الديمقراطية الحقيقية وليس الصورية مثل المشاركة وتداول السلطة واحترام الأقليات والتعايش والمواطنة وعدم الإقصاء واحترام الاختلاف واحترام دولة القانون.. وربما هذا هو الفارق بين الدول المتقدمة والمتخلفة.

لكن مجموعة الأسئلة التي تطرح نفسها الآن.. هل تَعلم الإسلاميون عمومًا والإخوان تحديدًا من تجربة حكم مرسي؟؟ وهل لو في يوم من الأيام.. في المستقبل البعيد.. البعيد جدًا.. إن حدث وعادوا للسلطة .هل سيكررون الأخطاء مرة أخرى.. وهل يعترفون بها من الأساس؟

وبما أننا حسبما يقول الناصريون حاليًا في عهد ناصري جديد.. وأن السيسي هو عبد الناصر الذي خرج من قبره.. هل سيتم تكرار نفس أخطاء التجربة الناصرية؟

والسؤال العجيب هو.. أليس من أسباب دعم الناصريين للسيسي هو أن يواجه أمريكا والغرب وإسرائيل والعالم كله؟ لكن السيسي نفسه اعتبر أمريكا والغرب أصدقاء ونفى نظرية المؤامرة، وكذلك نفى أي نوايا لخرق أو تعديل كامب ديفيد .ويبدوأن التنسيق مع إسرائيل سيظل كما كان في عهد مبارك أو أكثر عمقًا..فلم لا يزال الناصريون داعمين للسيسي رغم أنه ضد جوهر المشروع والخطاب الناصري.. فلا عدالة اجتماعية ولا ممانعة.. إنها السلطة التي أصبحوا مقربين منها.

وهل من يطلقون على أنفسهم ليبراليين أو قوى مدينة لهم علاقة بأي ليبرالية أو مدنية؟

كيف يكون ليبراليًا ويدعم الحكم السلطوي ويبرر للقمع والاعتقال العشوائي وغياب العدالة وغياب الحريات ويدافع عن تكميم الأفواه وإنهاك الحقوق، كيف يكون قوى مدنية ويدافع عن الدولة العسكرية أو يتغاضى عن استخدام الدولة للدين في السياسة وتكفير المعارضين أو المقاطعين للعملية السياسية، إنهم ليسوا ليبراليين أو لهم علاقة بالمدنية..إنها السلطة التي ينتظرون الفتات منها،ولو حكمنا هؤلاء يوماً ستكون فترة حكمهم أكثر فشلاًواستبدادًا من فترة الإخوان.

والسؤال الأصعب.. ماذا عن القوى الثورية إن وصلت للسلطة؟ هل لو وصلت القوى الثورية للسلطة ستتحقق فعلاً مطالب وأهداف والتغيرات التي تحتاجها الثورة؟

أشك في ذلك بصراحة.. إن كثيرًا منهم الآن أو سابقًا يعتمد منهجهم على التخوين والإقصاء وعدم احترام الاختلاف والجعجعة والصوت العالي في الخطاب.

هل نتفق جميعاً حول ما الحرية والديمقراطية والعدالة؟.. هل يمكن أن يصل أحد للسلطة بدون استبداد وإقصاء؟ هل يمكن أن نمارس السياسة بدون تخوين وتشويه وتصفيه واغتيال معنوي للآخر؟

كنت دائمًا إصلاحيًا أؤمن بالوسطية والحلول التوافقية وضرورة المشاركة والتجربة والخطأ والتعلم.. ولكن أليس الابتعاد عن السلطة غنيمة؟ أليس عدم اللعب من خلال قواعد اللعبة القذرة التي فرضها النظام هو عين العقل؟.. ألانحتاج جميعًا لإعادة تعريف الكثير من المفاهيم التي تم ابتذالها في مصر مؤخراً خصوصا حول الديمقراطية والحرية والعدالة والكرامة والدولة المدنية؟؟

حتى المسار السياسي والإصلاحي مسدود، والبدائل غائبة، وأحياناً أفكر.. هل اللاسلطوية هي الحل؟

ما أشبه الليلة بالبارحة، عن نظام يوليو و نتائجه

تتزامن  هذه الأيام مع جرائم الكيان الصهيونى فى حق الشعب الفلسطينى وها نحن كل يوم نسمع أخبار الهجوم الصهيونى الوحشى وقتل الأطفال والنساء الشيوخ . و لا نملك أن نفعل شيئا  , ولكن الجديد هذه المره والمختلف عن كل هجوم صهيونى سابق أنك ستجد فى مصر من يقول …أحسن ….. خلى اسرائيل تربى حماس .

هذه العبارة يعتبرها البعض كارثية و تدل على تغير كبير فى العقلية المصريه  قيادة وشعبا , فبعد أن كانت  اسرائيل هى العدو أصبحت حماس هى العدو الذى يجب أن نتعاون مع  اسرائيل للإجهاز عليه أو على الأقل نترك اسرئيل تجهز عليه.

ولكن هناك عباره هامه أود التوقف أمامها خصوصا انها  عباره هامه تترتب عليها أحداث كبرى فى تاريخ المنطقة  وهى عبارة تحرير فلسطين يبدأمن تحرير مصر . هكذا قالوا قبل حركة الضباط فى 23 يوليو بعد هزيمة الجيوش العربيه  التى ذهبت لتحرير فلسطين يبشكل استعراضي بدون خطه أو استعداد أو تدريب .

لتحرير فلسطين يجب تحرير مصر أولا , هكذا قالوا ضباط يوليو و هكذا  أيضا قال سيد قطب  وبن لادن و الظواهرى و كل التنظيمات الجهاديه التى تكفر  الجيوش العربيه  . عبارة استخدمها الدكتاتور الذى حبس و أعدم معارضين  أو الإرهابى الذى قتل وروع أبرياء .

و علشان نحرر فلسطين لازم نحرر مصر … هكذا توهمنا  عند خروجنا ضد مبارك  وبالفعل كانت اسرائيل متخوفه من الثورات العربية وكانت  حريصه على عدم اغضاب المصريين بعد ثورة يناير  حتى لا تفلت اوضاع  كامب ديفيد التى استقرت ل 30 عاما . كنا نحلم أن ثورتنا ستؤدى إلى مزيد من الحرية والديموقراطية ثم التقدم والبناء ثم نستطيع تحرير فلسطين  بعد تحقيق أسباب الثورة  , ولكن  دولة عسكر كامب ديفيد  عادوا بكل شئ لما كان قبل  25 يناير بل أسوأ  فهل كان أحد يتخيل أن تتشجع مصر على قتل الفلسطينيين بسبب خلافات سياسية ؟

وبما أن  قتل الفلسطينين يتزامن مع ذكرى 23 يوليو لذلك وجب التذكير ببعض  المواقف و التحولات و الأخطاء التى وقعت فى بداية حركة الضباط لعلنا نتجنب الأخطاء , رغم أنها تكرر بحزافيرها  بعد 3 يوليو وبالتالى ستؤدى لنفس النتيجة رغم أننا الآن  لا نزال نعانى من أثار أخطاء حدثت منذ 60 عاما .

* تكييف القوانين  و النصوص الدستورية حسب رغبات وأهواء الحاكم كان هو الطابع المميز لتحركات ما بعد 23 يوليو  , واستمر ذلك حتى الآن , فمنذ تعديل وثيقة نظام توريث العرش  و تكييف الوضع القانونى  وتوالت بعد ذلك التكييفات  و المخلفات والحديث عن الشرعية الدستورية تارة و الحديث عن الشرعية الثورية تارة أخرى  عند الحاجة, و قد شارك القضاء في ذلك منذ البداية  و أعطوا للطغاة كل الحجج القانونية لمزيد من الطغيان إلى أن انقلب عليهم الطغاة في  54 و 56 فهل يتعظ  قضاة  اليوم من مصير قضاة الخمسينيات  الذين ساعدوا  قانونيا فى قيام ديكتاتورية  ثم كانوا أول من احترق بذلك؟

* كثيرا نسمع تنظيرات عن أننا في جمهورية جديدة تالتة أو رابعة أو خامسة حسب مزاج المتحدث  , ولكنى أزعم  أن كل هذه التصنيفات هى خدعة  , بل نحن لا نزال فى الجمهورية الأولى  منذ 1953 , جمهورية العسكر  , العسكر الذين يتوغلون في كل شئ منذ 23 يوليو , جميع المناصب و جميع  المراكز  ,  محافظون  ورؤساء أحياء ومديرو شركات و سفراء و وزراء ثم محتكريين لكل انواع الصناعة والتجاره . و الأن اصبح عندنا مهنة غامضة اسمها  الخبير الاستراتيجى , أنها ليست جمهورية جديدة , بل هى جمهورية  العسكر منذ 60 عاما تغير بعض الرؤساء و تغير بعض الرتوش ولكن استمر جوهر الحكم  العسكرى حتى الآن  , فلم يتوقف الحكم العسكرى لحظة واحدة منذ 23 يوليو حتى فى فترة حكم مرسى  , دعونا نتوقف عن خداع أنفسنا .

* كان شعارات العسكرفى 23يوليو هى القضاء على الإقطاع وإقامة حياة ديمقراطية سلمية والقضاء على الفساد؛ولم يتحقق أي شعار من شعارات 23يوليو حتى الآن فرغم اجراءاتالاشتراكية والإصلاح الزراعى إلا أن نظام يوليو العسكرى تعامل بمنتهى القسوة والدموية مع الإضرابات العمالية أو الاحتجاجات الفئوية؛ فقد تم إعدام عمال كفر الدوار عندما نظمو ا إضراب للمطالبة ببعض الحقوق فى أغسطس 52, ولم يقتصر الأمرعلى إعدام العمال فقط بل تم تعذيب وحبس العشرات من الضباط الأحرار الذين اعترضوا على فساد القيادات العسكرية أو الذين اعتراضوا على المسار الخاطئ منذ البداية , فبعد شهور قليله من 23يوليو تم الانتقام من ضباط المدفعية الذين طالبوا بالإصلاح, ثم ضباط سلاح الفرسان وتم اتهامهم  اتهامات ظالمة بمحاولة الانقلاب والتخابر مع جهات أجنبية رغم إنهم كانوا من الضباط الذين شاركوا فى تحركات 23يوليو وبعضهم كان فى قيادات  مجلس قيادة الثورة مثل  يوسف صديق و خالد محى الدين , كل من أبدى تخوفه من المسار الخاطئ أو اعترض على أى تفصيلة كان مصيره السجن أو النفى أو المحاكمة العسكرية حتى لو كان من قيادات الضباط الأحرار .

* ثم تواليت الإجراءات القمعيه التى نعانى من نتائجها حتى الآن , فقد تم إغلاق الصحف وإحكام الرقابه عليها وكذلك إلغاء الأحزاب واعتقال كل زعماء وكوادر  كل القوى السياسيه, ليبراليين  واشتركيين وإخوان وشوعيين  كان السجن أو الإعدام بعد محاكمات فورية هو مصير كل من يعترض , وتم إغلاق الحياه السياسية تماما وأصبحت مقتصره  على طبقة الضباط فقط  ثم المنافقين من أعضاء الاتحاد الاشتركى , فطبيعى أن نشكوا الآن من ضعف  الأحزاب , وطبيعى ألانجد كوادر جديدة لأى منصب أو أى شئ , طبيعى أن تحدت هزيمة 67  وها نحن نكرر نفس الأخطاء  , نفس الاستبداد , نفس الكذب , نفس الدوله العسكرية الفاشله , نفس النظام , نفس العقلية , كيف نتوقع أن يحدث تغير ؟

*  ما أشبه الليلة بالبارحة …كان نظام يوليو العسكري الذى يحكمنا حتى الآن يستغل و يجيش وسائل الإعلام للتمهيد لأي أمر  أو قبل حدوث أي شئ , فمثلا تم  استخدام الإعلام و التمهيد قبل إلغاء دستور23 , أو قبل إلغاء الأحزاب  , أو قبل اعتقال محمد نجيب أول رئيس جمهورية , أو لخداع الجماهير فى 67  وما قبلها وما بعدها  , الإعلام من أهم أسلحة الأنظمة المستبدة  و لذلك من الطبيعي أن نجد النظام الحالي ينزعج من حرية الإعلام , ونجد من يطارد مذيع أو كاتب قال شئ مختلف عما يقوله باقي القطيع .

* كيف لا يزال البعض يتوهم أن عودة الحكم العسكرى  الصريح وعودة القمع يمكن أن تؤدى لأى إصلاح أو تقدم ؟

كانت نتيجة الحكم العسكرى أن ظهرت طبقة حاكمة فاسده من الضباط بدلا من طبقة الإقطاع والسرايا ت .. كان مجرد استبدال وليس حرب على الفساد تكمم الأفواه وقتل الحياه الحزبية وكثرة المحاكمات الصورية  والاعتقالات و الإعدامات , وكذلك غياب التخطيط فى اتخاذ القرار وانتشار العشوائية  والمحسوبية , وإنهاك الجيش فى السياسة كان ذلك من أسباب هزيمة 67فلماذا نتوقع تقدم ورخاء وديمقراطية ونحن نكرر نفس التجربة مرةأخرى  ولكن بمسميات جديدة .

نظام حكم السيسي هو خليط أخذ أسوأ ما في تجربة عبد الناصر وهوالدكتاتورية و الاستبداد , وأخذ أسوأ ما في  تجربة السادات و هو المراوغة و سياسات الانفتاح , وأسوأ ما في مبارك وهو الأعتماد على الفاسدين وكذلك التبعية للخارج ,وأسوأ ما في فترة حكم مرسي وهو الإقصاء و عدم السماع نصائح الآخرين

فكيف نتوقع أى تقدم أو رخاء أو إصلاح سياسي أو اقتصادي ؟ 

ميليشيات شرف البوليس بتاعة علي سالم

الكاتب المسرحي الكبير (في السن) “علي سالم” كتب مقالة منذ عدة أيام في جريدة الشرق الأوسط بعنوان “جماعة شرف البوليس”، وهي للأسف ليست عنوان مسرحية هزلية أو سياسية ساخرة أو حتى مأساوية، بل هي فكرة يطرحها بالفعل بشكل جاد ويحرض عليها.

الكاتب الكبير يدعو بشكل جاد لإنشاء جماعة أو كتائب أو ميليشيات من رجال الشرطة الحاليين أو السابقين أو من المواطنين “الشرفاء” المتعاطفين معهم لتكون مهمتهم هي قتل كل من يظنون أنه إرهابي أو مخرب، وإحراق منزل كل من يعتدي على سيارة ضابط شرطة وذلك لمجرد الاشتباه، بحيث تكون جماعة أو ميليشيات شرف البوليس مهمتهم هو الانتقام وتطبيق ما يظنونه “عدالة” بالمخالفة للقانون وخرقاً للدستور ولمجرد الاشتباه.

وكأن ذلك لا يحدث فعلاً، وكان الشرطة المصرية لا تقتل على أساس الهوية وكأنها لا تخالف القانون والدستور والأعراف الدولية، وكأنه لا يوجد بالفعل ميليشيات البلطجية والمسجلون خطر الذين يطلق عليهم إعلامياً لقب “المواطنين الشرفاء” والذين يقومون بالفعل بمساعدة الشرطة في قتل المتظاهرين وفض المسيرات السلمية.

الكاتب الكبير يدعو الشرطة وحلفاءها لمزيد من الانتهاكات للدستور والقانون بحجة حماية كرامة البوليس.

لم أقابل هذا الكاتب الشهير من قبل ولا أعول كثيرًا أن أي نقد لتحريضه قد يجعله يتراجع فهناك مقالات كثيرة قرأتها أيضًا تنتقد مقاله الذي يقطر فاشية وكراهية، ولكن فعلاً الأمر خطير، لا تكمن خطورته في أن علي سالم يكتب مقالات تحرض على العنف والفاشية والدموية، فهناك الكثير من الكتاب الذين تحولوا نحو الفاشية من قبله غير مأسوف عليهم، ولاتكمن الخطورة أيضا في أن مقالته تلك تخالف الكثير من الأفكار التي تتحدث عنها مسرحياته.. فهناك قبله صحفيون وكتاب كثر تخلوا عن مبادئهم التي طالما نادوا بها في شباباهم أو قبل أن يتقربوا للسلطة.

ولكن الخطورة تكمن في الفوضى التي يدعو إليها “علي سالم” والتي إن سادت سوف تنقلب عليه.

فمقالته تنطلق من نفس الأساس الذي يبني عليه الجهاديون عملياتهم، نصرة الحق.. الانتقام والقتل لتطبيق شرع الله وعدالته في الأرض.

دعونا نتخيل أن هناك جماعة أخرى أطلقت على نفسها جماعة شرف ضحايا الشرطة، وكان هدفها هو تطبيق العدالة من وجهة نظرهم ومخالفة القانون غير العادل والدستور الظالم.

وطبقوا بأيديهم ما يعتبرونه عدالة ضد كل من يعتبرونه مواليًا للنظام أو الشرطة أو مريدًا لعنف الدولة.

وبالتالي سنجد من يحاول تطبيق العدالة “من وجهة نظره” على الكاتب علي سالم نفسه بصفته مواليًا لرجال الشرطة القتلة، فهناك بالفعل من تم حبسهم ظلماً وهناك بالفعل شباب ليسوا “إخوان” ولا بيحبوهم وتم قتلهم في مظاهرات سلمية، وهناك بالفعل شباب ليبرالي علماني تم قتله بيد الشرطة قبل بدء حتى المسيرة السلمية.

فهل من حق أهالي هؤلاء الشباب تطبيق ما يعتبرونه عدالة بأيديهم وكسر القانون والدستور كما يحرض الكاتب علي سالم، هل من حق ميليشيات تطبيق العدالة على رجال الشرطة أن يعاقبوا على سالم مثلاً لأنه يدافع عن الظلم والاستبداد؟

لم تكن يومًا الفاشية هي الحل، فالعنف والفاشية يؤدي للعنف المضاد والفوضى، وكان أولى بالكاتب المخضرم أن يدعوالجميع بمن فيهم الشرطة إلى احترام الدستور والقانون لأنهم فعليًا أول مخالفيه، ويلفقون القضايا ويتسببون في ظلم الآلاف كآلاف الشباب المظلوم في السجون.

الظلم يؤدي إلى التطرف.. والقمع والكبت يولدان الانفجار

والعنف لن يؤدي إلا لعنف مضاد، والتطرف سيؤدي لتطرف مضاد

ولو طبق كل فرد العدالة من وجهة نظره سنتحول لغابة وفوضى… هذا ما نادى به الكاتب “علي سالم” في مسرحياته وكتاباته… زمان.