لماذا نرفض حكم العسكر؟

(1)
زعم بعض المتلونون و”كدابين الزفة” والراقصون حول السلطة، أن من يرفض حكم العسكر، خائن وعميل، أو أن هتاف 2011 الشهير “يسقط حكم العسكر”، هو هتاف أمريكي صربي إخواني مشترك، رغم أن بعض هؤلاء قد هتفوا معنا هذا الهتاف في 2011 و 2012، لكنهم ينكرون ذلك الآن أو يتناسونه، وبعضهم يتبرأ منه كأنه كان “مضحوك عليه” ومخدوع وقتها. الحقيقة أنهم متلونون وتتغير مواقفهم 180 درجة حسب موازين القوى، لكن المهم أن أشرح عموماً لماذا نرفض حكم العسكر؟، لمن يريد إعمال عقله والهروب من عملية غسيل المخ التي تقوم بها وسائل الإعلام باستخدام بعض العاطلين ممن يطلق عليهم “خبراء استراتيجين”.

(2)
مبدئياً: لا أحد يريد هدم الجيش وكل ما يُقال في الإعلام حول هذا الأمر، مجرد حواديت خيالية يروجها طبقة العسكر، بهدف المحافظة على امتيازاتهم والبيزنيس الذي يملكونه؛ فكلمة “عسكر” التي تغيظ العسكر هي كلمة صحيحة تعبر عن طبقة العسكريين الذين يحكمون ويمتلكون مشروعات خفية مجهولة لا تخضع للمحاسبة ولا سلطة الشعب.
ونحن نريد جيشنا العظيم يتفرغ لمهمته المقُدَّسة، وهي حماية مصر وحدودها وليس “الاسترزاق” عن طريق مصانع مكرونة وتجارة في أراضي الدولة وإقامة المنتجعات السياحية. نريد جيشاً يحمي مصر من الأخطار المحيطة، ولا يتفرغ للسياسة والحكم ومشاكله وصراعاته حتى لا تتكرر هزيمة 67. الجيش المصري به أصدقائنا وأقاربنا وأخوتنا وكل ما نريده؛ أن يتفرغ لحماية الوطن ليس لقتلنا أو حكمنا أو قمعنا.

(3)
لو استرجعنا تجارب الحكم العسكري في الوطن العربي ودرسنا نتائجه؛ فنجد أن الحكم العسكري بدأ في سوريا منذ 1949 حتى اليوم، وفي مصر منذ 1952 وحتى اليوم، وفي العراق منذ 1958، وفي اليمن منذ 1965، وفي ليبيا منذ عام 1969، وفي الجزائر حتى اليوم، وكذلك في السودان وتونس وموريتانيا لفترات متناوبة. وهذا يعني هيمنة العسكر على السلطة في أهم الدول العربية طوال الستة عقود الأخيرة والنتيجة كارثية في كل هذه الدول؛ فقد اندثرت وتأكلت السياسة والأحزاب في تلك الدول، كما مات الإبداع في كل المجالات وزاد القمع وشراء الولاء بالمناصب، فإما أن تخدم الجنرال العسكري أو تُعتقل أو تٌسجن أو تِهاجر.
وتجد الكفاءات العربية إما هاجرت لبيع خبراتها وكفائتها للغرب أو تم تهميشها في بلادها حتى ماتت حزناً وكمداً.
استولت طبقة العسكر على كل مفاصل الحكم في تلك الدول وكل المناصب والمؤسسات والشركات الهامة، وفتحوا الباب للانتهازيين والمنافقين ومعدومي الكفاءة، فانتشر الفساد وعم الاستبداد والقمع وانحدر الحال وتأخرنا وتخلفنا عن العالم. فالتعليم أسوأ والإدارة أكثر تخبطاً وفساداً، والخدمات في انهيار يوماً بعد يوم .. لهذا نرفض حكم العسكر .. كفانا استبداد وفساد وتخلف.

(4)
يزعم “العواطلية الاستراتيجيون” وأبواق العسكر في كل القنوات، وكذلك زعم كل مؤيدي الأفكار والمناهج الفاشية على مر العصور، أن الآخر هو المسئول عن التخلف، وأن هناك مؤامرات وأنهم يعطلوننا عن التقدم.
لا أنكر أن هناك من لا يريد للعرب والمصريين أن يتقدموا، لكن إلصاق كل فشلنا وتخلفنا بالآخر هو تضليل، واستدعاء نظرية المؤامرة طوال الوقت واستخدام العدو المجهول كشماعة لتبرير فشل الأنظمة العسكرية المستبدة هو قمة النصب والاحتيال. نعم هناك من لا يريد للعرب التقدم ولكن ليس فشلنا وتخلفنا نتيجة مؤامراتهم المزعومة، فخطاب التعبئة والحديث المستمر عن المؤامرات الكبرى لم يعد مجدي ولن يحقق أي تقدم حقيقي أو تصحيح للأخطاء الكارثية التي أرتكبها العسكر طوال عقود حكمهم، فهزيمة 1967 وضياع سيناء والقدس وغزة والجولان والضفة الغربية، كان سببه أن عبد الناصر عين صديقه على رأس الجيش المصري رغم فساده وشهواته المعروفه وتسببه كذلك في انفصال سوريا بعد الوحده التي لم تدم طويلاً. فساد الضباط في الخمسينيات والستينيات لم يكن مؤامرة خارجية، ومغامرات الجيش المصري في اليمن، التي أدت لإضعاف الجيش، لم تكن بدافع من الغرب. وإنجازات حكم العسكر في مصر في الخمسينيات والستينيات من إقامة المعتقلات وحفلات التعذيب والقتل والتفرغ لتسجيل مكالمات المواطنين والتنصت على حياتهم الشخصية لم يكن بوازع من الغرب، بل كان فساداً داخلياً، أدى لهزيمة 1967، وما صدام حسين والقذافي والنميري وعلى عبد الله صالح والسفاح بشار الأسد، إلاّ نسخاً مشوهة تم استنساخها من عبد الناصر.

(5)
يبرع المستبدون على مر العصور في استخدام الخطابة ودغدغة مشاعر الجماهير، “الديماجوجية” وتعني استخدام كلمات للسيطرة على مشاعر الناس، هي أحد أهم وسائل الأنظمة السلطوية أو الاستبدادية أو الفاشية. العودة للستينيات حيث الخطب الرنانة ودغدغة المشاعر والتخويف من العدو الخفي المتآمر ثم ظهور “المصفقاتية” و”الهتيفة”، الذين يتم توظيفهم بمهارة لإلهاب الحماسة، ثم يبدأ هتاف “بالروح والدم”، بهدف صناعة المستبد أو الفرعون الجديد. لا يحتاج هؤلاء لتعليم أو تخطيط أو دراسات أو استخدام للعلم أو الأخذ بالاسباب. فقط، يحتاجون الصوت العالي واستخدام الحنجرة وتخوين كل من يدعوا لاستخدام العقل وكل من يحذر من مخاطر الاستبداد.
يستخدمون الصوت العالي والتخوين من أجل تسويق تجربة فاشلة، أدت لتأخير مصر وفشلها طوال 60 عاماً، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ومن يفكر فهو خائن وعميل لأعداء الوطن ومن يحذر وينبه من أخطار حكم العسكر، فهو يريد هدم آخر عامود للخيمة! وهو في الحقيقة آخر عامود للخيبة .. الآن، يتزاحم حملة المباخر والراقصون حول الفرعون الجديد ويبرزون قدرتهم على الصياح والتخوين حتى لا يسمح أحد غير نفاقهم ولا يستطيع أحد أن يفكر.

(6)
يزعم العسكر وصبيانهم و”كدابين الزفة” وخبرائهم الاستراتيجين أن مصر في طريقها للاستقلال الوطني؛ فقد تم تقليل التسول من أمريكا وأوروبا، وبدأ تنويع مصادر “التسول” عن طريق الاعتماد على السعودية والإمارات وتسليم البلد لهم “على المفتاح”، ومتجاهلين بهدف التضليل أن الحلفاء الجدد أيضاً ليسوا أحرارا في قرارهم، فهم ايضاً لهم حلفاء يُعتبروا أصحاب القرار الحقيقيين، وهم ياللصدفة أمريكا وأوروبا أيضاً!
وهذا ما ينطبق عليه المثل القائل “ودنك منين يا جحا”

 

أحمد ماهر

ليمان طره

Advertisements

إنها السلطة

قبل ثورة 25 يناير كان الإخوان يكسبون التعاطف بسبب تعرضهم للظلم أكثر من أي فصيل معارض وكانوا يشاركون باقي القوى السياسية وحركات التغيير والشباب في مطالب الحرية والديمقراطية والعدل، ولكن بعد أن تولوا السلطة فعلوا عكس ما وعدوا به.. إنها السلطة.

في يوليو 1952 قام الضباط بخلع “فاروق” الفاسد المنحل الغارق في اللذات، لكنهم مع مرور الوقت تحولوا لعدة “فواريق” أكثر فسادًا وانحلالاً وانغماسًا في اللذات من فاروق الأصلي.

وعدوا بـ 6 مطالب على رأسها إقامة حياة ديمقراطية سليمة لم تتحقق إلى اليوم، نعم كانت هناك عدالة اجتماعية بصورة أو بأخرى لكن كان هناك أيضاً استبداد وفساد للطبقة الحاكمة التهم المكتسبات حتى هزيمة 67.. إنها السلطة المطلقة.

لم يلتزم السادات بالحفاظ على مكتسبات يوليو وفي عهده كان الانفتاح السداح مداح وعاد الإقطاع بشكل جديد، حتى ما أطلق عليه ثورة التصحيح كانت أكذوبة كبرى، ففي عهده لم ينته الاستبداد ولم تنته ظاهرة زوار الفجر ولم تقام حياة ديمقراطية سليمة بل كانت ديمقراطية شكلية لها أنياب.. إنها السلطة.

أما مبارك الذي بدأ فترة حكمه بعبارة الكفن مالوش جيوب كان مثالاً سيذكره التاريخ في تزاوج المال مع السلطة والفساد والاستبداد والظلم والقهر والكذب والخداع والتدخل الخارجي.. إنها السلطة المطلقة وغياب الشفافية والمحاسبة.

بالتأكيد مرت الديمقراطيات الغربية بتجارب فاشلة مشابهة منذ عشرات وربما مئات السنين إلى أن استقر الأمر في النهاية وأصبحت الأنظمة الحاكمة هناك ديمقراطيات راسخة وإن لم تكن تخلو من الشوائب لكن على الأقل حالياً هناك ثوابت تعبر عن الديمقراطية الحقيقية وليس الصورية مثل المشاركة وتداول السلطة واحترام الأقليات والتعايش والمواطنة وعدم الإقصاء واحترام الاختلاف واحترام دولة القانون.. وربما هذا هو الفارق بين الدول المتقدمة والمتخلفة.

لكن مجموعة الأسئلة التي تطرح نفسها الآن.. هل تَعلم الإسلاميون عمومًا والإخوان تحديدًا من تجربة حكم مرسي؟؟ وهل لو في يوم من الأيام.. في المستقبل البعيد.. البعيد جدًا.. إن حدث وعادوا للسلطة .هل سيكررون الأخطاء مرة أخرى.. وهل يعترفون بها من الأساس؟

وبما أننا حسبما يقول الناصريون حاليًا في عهد ناصري جديد.. وأن السيسي هو عبد الناصر الذي خرج من قبره.. هل سيتم تكرار نفس أخطاء التجربة الناصرية؟

والسؤال العجيب هو.. أليس من أسباب دعم الناصريين للسيسي هو أن يواجه أمريكا والغرب وإسرائيل والعالم كله؟ لكن السيسي نفسه اعتبر أمريكا والغرب أصدقاء ونفى نظرية المؤامرة، وكذلك نفى أي نوايا لخرق أو تعديل كامب ديفيد .ويبدوأن التنسيق مع إسرائيل سيظل كما كان في عهد مبارك أو أكثر عمقًا..فلم لا يزال الناصريون داعمين للسيسي رغم أنه ضد جوهر المشروع والخطاب الناصري.. فلا عدالة اجتماعية ولا ممانعة.. إنها السلطة التي أصبحوا مقربين منها.

وهل من يطلقون على أنفسهم ليبراليين أو قوى مدينة لهم علاقة بأي ليبرالية أو مدنية؟

كيف يكون ليبراليًا ويدعم الحكم السلطوي ويبرر للقمع والاعتقال العشوائي وغياب العدالة وغياب الحريات ويدافع عن تكميم الأفواه وإنهاك الحقوق، كيف يكون قوى مدنية ويدافع عن الدولة العسكرية أو يتغاضى عن استخدام الدولة للدين في السياسة وتكفير المعارضين أو المقاطعين للعملية السياسية، إنهم ليسوا ليبراليين أو لهم علاقة بالمدنية..إنها السلطة التي ينتظرون الفتات منها،ولو حكمنا هؤلاء يوماً ستكون فترة حكمهم أكثر فشلاًواستبدادًا من فترة الإخوان.

والسؤال الأصعب.. ماذا عن القوى الثورية إن وصلت للسلطة؟ هل لو وصلت القوى الثورية للسلطة ستتحقق فعلاً مطالب وأهداف والتغيرات التي تحتاجها الثورة؟

أشك في ذلك بصراحة.. إن كثيرًا منهم الآن أو سابقًا يعتمد منهجهم على التخوين والإقصاء وعدم احترام الاختلاف والجعجعة والصوت العالي في الخطاب.

هل نتفق جميعاً حول ما الحرية والديمقراطية والعدالة؟.. هل يمكن أن يصل أحد للسلطة بدون استبداد وإقصاء؟ هل يمكن أن نمارس السياسة بدون تخوين وتشويه وتصفيه واغتيال معنوي للآخر؟

كنت دائمًا إصلاحيًا أؤمن بالوسطية والحلول التوافقية وضرورة المشاركة والتجربة والخطأ والتعلم.. ولكن أليس الابتعاد عن السلطة غنيمة؟ أليس عدم اللعب من خلال قواعد اللعبة القذرة التي فرضها النظام هو عين العقل؟.. ألانحتاج جميعًا لإعادة تعريف الكثير من المفاهيم التي تم ابتذالها في مصر مؤخراً خصوصا حول الديمقراطية والحرية والعدالة والكرامة والدولة المدنية؟؟

حتى المسار السياسي والإصلاحي مسدود، والبدائل غائبة، وأحياناً أفكر.. هل اللاسلطوية هي الحل؟